الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
300
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الذي يتحمل الصعاب ، ويقاوم العواصف سوف ينال يوما ثمار جهوده ، وستخمد عربدة الأعداء ، وتحبط دسائسهم ، ويتمهد طريق التقدم والتكامل ويتذلل طريق الحق . بعض المفسرين ذهب إلى أن هذه الآيات تشير إلى فقر المسلمين في معيشتهم خلال الفترة الأولى من الدعوة ، لكن المفهوم الواسع للآيات يستوعب كل ألوان المشاكل . أسلوب الآيتين يجعلهما لا تختصان بشخص النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبزمانه ، بل بصورة قاعدة عامة مستنبطة مما سبق . وتبشر كل البشرية المؤمنة المخلصة الكادحة ، وتقول لها : كل عسر إلى جانبه يسر ، ولم ترد في الآية كلمة " بعد " بل " مع " للدلالة على الاقتران . نعم ، كل معضلة ممزوجة بالإنفراج ، وكل صعوبة باليسر ، والاقتران قائم بين الاثنين أبدا . وهذا الوعد الإلهي يغمر القلب نورا وصفاء . ويبعث فيه الأمل بالنصر ، ويزيل غبار اليأس عن روح الإنسان ( 1 ) . وعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : " واعلم أن مع العسر يسرا ، وأن مع الصبر النصر ، وأن الفرج مع الكرب . . . " . ( 2 ) وروي أن امرأة شكت زوجها لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، لعدم إنفاقه عليها ، وكان الزوج معسرا فأبى علي أن يسجن الزوج وقال للمرأة : إن مع العسر يسرا ( ودعاها إلى الصبر ) . ( 3 ) فإذا فرغت فانصب أي إذا انتهيت من أداء أمر مهم فابدأ بمهمة أخرى ،
--> 1 - مما ذكرنا يتضح أن الألف واللام في ( العسر ) للجنس لا للعهد ، و ( يسرا ) وردت نكرة ، لكنها تعني الجنس أيضا ، وتنكيرها في مثل هذه المواضع للتعظيم . 2 - تفسير نور الثقلين ، ج 5 ، ص 604 ، حديث 11 ، 13 . 3 - المصدر السابق .